محمد جمال الدين القاسمي

77

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

لموافقة هوائها له ، فارتحل من دمشق إليها في سنة ( 1294 ) ومع ذلك كان يتردد ما بينها وبين دمشق ، غير أن معظم إقامته كانت في الثغر ، وغالب مجيئه لدمشق أواخر فصل الربيع إلى أواخر الصيف ، هربا من شدة الحر وقتئذ في بيروت ، وتصدى أول مقدمه إلى بيروت إلى الوعظ والتدريس العام في كتب القوم ، فكان يبدي من باهر الإرشاد وفصاحة اللهجة ما يدهش الألباب ، ثم اقتصر على الوعظ والإرشاد في بيته مراعاة لصحته ، وكان يخبر عن ضرب لطيف من التعليم ، كان والده يمرنه عليه أيام طلبه للعلم ، وذلك أنه كان يتلقى عن والده الدرس ثم يأمره بمطالعته وحفظه وإلقائه عليه في اليوم الثاني من سماعه عليه ، فكان يلقيه كما سمعه لتمام محفوظيته ، ويجعله والده كأنه شيخه وهو تلميذه ، وكان تلقى الذكر عن عمه الأمير قدس سره ، وأجاز له بالأوراد القادرية ، وتلقى أيضا عن السيد سلمان أفندي نقيب السادة الأشراف في بغداد . ومن سلالة القطب الجليل السيد عبد القادر الجيلاني ، قدس سره ، وذلك عند زيارته لهذه البلاد ، وقد كان المترجم ، رحمه اللّه ، جليل القدر ، مهابا ، تكسو مجلسه الهيبة والوقار ، كريم الطبع ، حسن المسامرة ، لطيف المعاشرة ، ذا فكرة وقّادة وحافظة عجيبة ، مشهورا ببلاغة الإنشاء وجودة النظم ، وكان غيورا على المنكرات والبدع « 1 » ، سليط اللسان على المبتدعين ، ينهج في أحواله منهج السلف ويدعو إلى ذلك ، وكان لا يرضى بأدنى بدعة مخالفة لما يعهده من السيرة الحميدة ، ولذلك كان كثير الاحتجاب ، لا يخرج إلا لبعض إخوانه أو لمنتزه يخلو به معهم ، فلا يتردد إلى الكبراء ولا يزورهم ولا يجيب دعوتهم وإن

--> ( 1 ) أي كان حريصا على كشف حالها .